الدين كلّه في آية
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
حقيقةٌ قد غفل عنها كثيرون: أن فاتحة الكتاب إنما هي تلخيص للكتاب كله، وتعبير موجز عنه.
وقد جاءت الآية الكريمة:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
لتشكّل جوهر الدين كله في مبدأين أساسيين: العبادة والاستعانة.
أولًا: العبادة (إياك نعبد)
*********************
العبادة هي العمل الصالح وترك المحرمات،
وهي الصراط المستقيم الذي يبدأ بالنهي عن الشرك بالله، ومنه تنشأ الالتزامات العملية التي تحمي الإنسان والمجتمع، والتي حدّدها القرآن في أربعة عشر تحريمًا:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام 151)
الشرك بالله
{أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (الأنعام 151)
عقوق الوالدين
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الأنعام 151)
قتل الأولاد من إملاق أو خشية إملاق
{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} (الأنعام 151)
الاقتراب من الفواحش
{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (الأنعام 151)
قتل النفس
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الأنعام 151)
أكل مال اليتيم
{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (الأنعام 152)
الغش بالكيل والميزان
{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (الأنعام 152)
شهادة الزور
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام 152)
نقض العهد
{وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} (الأنعام 152)
أكل الميتة والدم ولحم الخنزير والاستقسام بالأزلام
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ...} (المائدة 3)
الإثم والبغي بغير حق
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ...} (الأعراف 33)
نكاح المحارم
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ...} (النساء 23–24)
الربا
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة 275)
التقول على الله
{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف 33)
صدق الله العظيم.
هذه المحرمات ليست مجرد قواعد، بل خطوات عملية للعبادة على الأرض، وتحويل الإيمان إلى سلوك حقيقي عملي يُمارَس في الحياة اليومية. تلك هي العبادة، وليست محصورة في الصلاة والشعائر، بل إن الشعائر تشكّل جوهر الاستعانة على العبادة:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
ثانيًا: الاستعانة (وإياك نستعين)
**************************
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
الاستعانة بالله تعني طلب القوة والهداية للقيام بالعبادة والعمل الصالح، وذلك بالقيام بالتكاليف الشرعية وإقامة الشعائر، مثل: الصبر، والصلاة، والالتزام بالواجبات اليومية.
بهذه الوسائل يصبح الالتزام بالعمل الصالح منظمًا ومهيأً للتطبيق الفعلي، لا مجرد شعار نظري.
الخاتمة (التدبر الشامل)
*********************
إن تطبيق هذه المبادئ عمليًا يجعل أي شخص متدبرًا للكتاب، دون الحاجة إلى التفقه المعقد أو العلوم المتخصصة التي لا يتقنها كل الناس:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
فالتدبر ليس حفظًا ولا تفسيرًا فقط، بل هو العمل بما أرشد إليه القرآن في كل مجال من حياتنا.
فالتدبر دُبُر الفهم، أي التحول من القراءة والبحث إلى العمل والتطبيق.
وهنا يأتي المعنى الكامل للتدبر كما تؤكده الآية:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾
فمن الفهم الشامل للتدبر كان كافيًا للناس عامة أن يعملوا بالآية الكريمة من سورة الفاتحة:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
وهذا هو التدبر المراد بالآية الكريمة:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
ويبقى التعقل والتفقه والتفكر لمن يملك أدواته داخل الإطار العام: الرحمة، العدل، المصلحة، والواقع،
بقلب سليم؛ أي عقلٍ خالٍ من الشرك.


0 تعليقات