من كتاب كأنك هناك
تأليف خالد البنا
تنازل الملك فاروق عن العرش
. سياق تنازل الملك فاروق
بعد ثورة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، سيطر الضباط على معظم مفاصل الدولة، ووصلت القوى الثورية القوية إلى الإسكندرية حيث كان الملك يقيم في قصر رأس التين، وهو من أهم القصور الملكية على البحر المتوسط.
الملك فاروق كان ضعيفًا سياسيًا قبل الثورة، وفقد شرعيته لدى الشارع المصري وكذلك لدى الجيش. هذه الشرعية المتآكلة جعلت موقفه ضعيفًا أمام الضغوط، سواء كانت شعبية أو عسكرية2. هل حُوصر الملك في قصر رأس التين؟
نعم — بحسب مصادر تاريخية موثّقة:
في صباح 26 يوليو 1952 وصل إلى قصر رأس التين في الإسكندرية ضباط من تنظيم الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب ومعه علي ماهر باشا لتسليم إنذار رسمي للملك. دخول الضباط كان تحت تهديد القوة العسكرية، حيث أُحاط القصر بدبابات ومدرعات لوضع الملك تحت ضغط فعلي، ليس لمنعه من الحركة فقط بل لضمان تنفيذه لقرار التنازل بدون مقاومة. هذا لم يكن حصارًا مفتوحًا بمعنى القتال المدمر، لكنه احتواء مسلح مُحكم، ما أجبر الملك على الموافقة في النهاية.
3. نص وثيقة تنازل فاروق عن العرش
نص وثيقة التنازل التي وُقّعت في قصر رأس التين — الإسكندرية ضمن الأمر الملكي رقم 56 لسنة 1952 جاء كما يلي:
نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان… لما كنا نتطلب الخير دائماً لأمتنا، ونبتغي سعادتها ورفاهيتها، ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة ونزولاً على إرادة الشعب… قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه.
الوثيقة تشير بوضوح إلى الرغبة في تجنيب البلاد الصعاب والاستجابة لإرادة الشعب، وهو ما يعكس الدافع السياسي وراء التنازل.
4. هل كانت هناك تهديدات رسمية من الضباط؟
نعم — وفق التحذير الرسمي الذي وجهه محمد نجيب باسم الضباط الأحرار إلى الملك في 26 يوليو:
البيان الذي وُجه إلى الملك نصّ على أن الجيش، الممثل للشعب، يلتمس من جلالته التنازل لابنه الأمير أحمد فؤاد وعدم مقاومة إرادة الشعب، مع تهديد ضمني بأن عدم الامتثال قبل الظهيرة سيسبّب تبعات سياسية خطيرة على الملك نفسه.
هذه الوثيقة تُظهر أن الضباط لم يطلبوا فقط التنازل، بل نسّقوا تاريخًا محددًا للموافقة والمغادرة.
5. مغادرة الملك: ماذا حدث بالفعل؟
في المساء نفسه — 26 يوليو 1952 — غادر الملك مصر على متن اليخت الملكي “المحروسة” برفقة زوجته وأفراد أسرته، متجهًا إلى إيطاليا (عبر ميناء نابولي).
ماذا عن محمد نجيب؟
يقول عدد من المصادر التاريخية إن نجيب حضر إلى اليخت الملكي أثناء مغادرته،
في مذكرات نجيب المنشورة لاحقًا ذكر أنه استخدم لنشًا ليلحق باليخت لوداع الملك،
والتقى فاروق هناك وجرى تبادل التحية العسكرية بينهما.
هذا الموقف يجمع بين الواقعية التاريخية والرواية الشخصية لنجيب في مذكراته، ولا يوجد ما ينفيها من وثائق مستقلة، وبالتالي يُعتَبر من الأحداث المؤكدة تقريبًا.
6. تحية عسكرية وتوديع رسمي
بحسب المصادر التاريخية:
عند مغادرة الملك، قُدمت له تحية عسكرية محترمة من حرس السداني والقوات الموجودة،
قُرع النشيد الوطني المصري كاحتفاء بنهاية عهد القصر وبدء فترة جديدة.
هذا التوديع العسكري لا يعني موافقة كاملة من الضباط على ممارسات الملك السابقة، لكنه ينبع من ثقافة عسكرية للحفاظ على النظام وعدم إذلال خصم هُزم سياسيًا.
7. لماذا تم التعامل بهذه الطريقة مع الملك؟
التعامل مع الملك لم يكن: إهانة شخصية
إعدامًا
اعتقالًا أو إصلاحًا انتقاميًا
بل كان: تسليم السلطة بدون نزيف دموي
احترامًا لصورة الدولة والنظام المصري
حرصًا على استقرار البلاد داخليًا وخارجيًا
هذا الأسلوب يختلف عن الثورات التي تطرد الملوك بالقوة فقط، ويُظهر نوعًا من التوازن السياسي لدى الضباط الأحرار في بداية عهدهم.
📊 ملخص الأحداث التاريخية بدقة
العنصر
النتيجة التاريخية
موقع التنازل
قصر رأس التين، الإسكندرية
نص الوثيقة
أمر ملكي رقم 56 لسنة 1952
تاريخ التنفيذ
26 يوليو 1952
من ضغط على الملك
الضباط الأحرار وقواتهم حول القصر
مغادرة الملك
على متن اليخت “المحروسة”
لقاء نجيب مع الملك
وارد في مذكرات محمد نجيب
طابع الوداع
تحية عسكرية واحترام
الخلاصة التاريخية الدقيقة
الملك فاروق لم يُقتَل أو يُعَزل بالقوة فقط، بل وُضِع تحت ضغط عسكري مباشر حتى وافق على التنازل.
وثيقة التنازل كانت أمرًا رسميًا دستوريًا بنسبة كبيرة وصيغت لتجنّب فراغ الدستور.
مغادرته تمت باحترام عسكري غير مهين، ومن ضمن ذلك التحية العسكرية وتوديع رسمي من الضباط الأحرار.
لقاء محمد نجيب بملك مصر على متن اليخت صحيح وفق مذكراته الشخصية، ولا يوجد ما ينفيه من مصادر مستقلة يمكن اعتبارها عامة.


0 تعليقات