د سعيد عزب يكتب من الإهمال ماقتل ايطاليا 🇮🇹

 

من الإهمال ماقتل 




عاشق العلم

​كان عاشقاً للعلم،

 راهباً في محرابه؛ 

ما سألته عن أمرٍ علميٍّ إلا وجاءت إجابته برهاناً تجريبياً، مسبوراً بالأرقام وموثقاً بالحجة.

 لم يكن الدين لديه مجرد مناسك ظاهرية تؤدى، 

بل تجاوز ذلك إلى محاولة لتدبر الملكوت والتطلع إلى الخالق. لم يكن إيمانه عابراً، 

ولا إرثاً تقليدياً تسلم أزمّته من الآباء والأجداد، 

ولم يُردد يوماً تلك المقولة المستهلكة: 

"هذا ما وجدنا عليه آباءنا".

​كان يرى أن الإقرار بوجود الخالق حقيقة قاهرة يشهد بها الوجود بأكمله، 

واقعٌ مستقر خارج حدود التصور البشري، 

شاء الإنسان أم أبى. 

أما الإيمان الحقيقي، 

فهو ما يأتي بعد ذلك الإقرار؛ 

وهو العقبة التي يتهاوى عندها أغلب البشر. 

فالإيمان عنده هو الجسر الناقل من مجرد الاعتراف بالواقع إلى تحقيقه والعمل بمقتضاه.

 ومن هنا تبدأ الصراعات الإنسانية، 

وتضعف الأديان بعد أن كان لها في بداءاتها توهجٌ يضيء العقول. 

إن الصراع الإنساني في أزمنة البعث وحمل الرسالات يكون حاداً وواضحاً، 

صراعاً بين الأبيض والأسود؛ 

لكنه مع تقادم العهد،

 يتشعب ليغدو صراعاً بين سائر الألوان، 

مما يجعل فض النزاع وفك الاشتباك أمراً شديد الصعوبة.

​منذ ولادته، 

كان يراودني شعور بأن ثمة شيئاً فيه لم يكتمل، 

رغم سعيه الحثيث وسعينا الدؤوب لإتمام ما ينقصه. 

كان يبحث دائماً عن شيء غائب رغم نعومة أظفاره،

 ولم أكن أستوعب كنه ذلك البحث حينها.

 إننا نخطئ حين ننظر إلى أفكار أبنائنا في طفولتهم على أنها لم تنضج بعد؛ 

فربما تكون قد سبقتنا في نضجها بمسافات،

 بينما نقف نحن عاجزين عن إدراكها أو اللحاق بها،

 وكأن عقولنا تتثاقل وخطواتنا تتباطأ كلما تقدم بنا العمر.

​حين كان في سن الثالثة، 

لم أكن أستوعب عمق رغباته، 

بل كنت أسبقه إليها لأغلق أمامه باب التمني أو الرغبة؛

 أصحبه إلى المتاجر وأقول له:

 "اختر ما تشاء"، 

فيجيل بصره بين المعروضات كلها، 

ثم يرفضها جميعاً بيقين، قائلاً: 

"أريد شيئاً غير موجود هنا".

​كان ذلك أول الدلائل على رغبته الأصيلة في البحث عما يجب أن يكتشفه بنفسه،

 لا أن يُساق إليه يساراً.

 كان يبتغي أمراً يتطلب جهداً ومشقة، 

وهذا هو الفارق الجوهري بين الطفل النابغ والطفل العادي؛ فالطفل النابغ يصل إلى حد الإشباع من الشيء منذ التجربة الأولى،

 ولا يعود لطلبه مرة أخرى.

​إننا نتوهم حين نظن أننا نسبق أطفالنا في الفهم، 

ولو صح هذا الظن لتوقفت الحياة وتجمد التطور عند نقطة البدء. 

غير أن كل ما يولد من رحم الحياة يحمل في طياته بذور الجدة والازدهار،

 وتلك هي حكمة الخالق لنرفع أيدينا عن القلق والتوقعات الصارمة بشأن الغد؛ 

فكل مخلوق قد يسّره مولاه لزمانه ومقدره.

​وفي النهاية، 

رحل كما ترحل الطيور في مواسم الهجرة، 

ولم يعد أمامنا إلا انتظار الموعد لنلحق به.

بعد أن رفع علما فوق صواري العلم لم يهنأ بها، 

وبعد أن شعر بأن فناره ضوءه تهفو إليها السفن ،

برغم من صعوبه عبور كل حواجز الاختلاف ،


د سعيد عزب






إرسال تعليق

0 تعليقات