د. كامل عبد القوي النحاس يكتب من أنا إلى نحن

 

من أنا إلى نحن

 التحول الخفي داخل الجماعات والتظيمات




بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس


ليست أخطر التحولات تلك التي تُعلن،

بل تلك التي تحدث في هدوء، دون ضجيج، ودون أن ينتبه إليها أصحابها.


ومن أعمق هذه التحولات ما يحدث حين تنتقل الفكرة من كونها قناعة فردية،

إلى كونها هوية جماعية.

البداية دائمًا بسيطة.


فكرة تتشكل في ذهن إنسان، أو تنطلق في دائرة محدودة، تحمل دعوة إلى الإصلاح، أو رغبة في التغيير، أو محاولة لفهمٍ مختلف لواقع قائم.

في هذه المرحلة، تكون الفكرة مفتوحة، واسعة، تحتمل أكثر من تفسير، ولا تُلزم أحدًا بشكل محدد.

كل من يقترب منها يراها بطريقته،

ويحتفظ بمساحته الخاصة في فهمها.


يقول الإنسان حينها: أنا أؤمن بهذه الفكرة.

ولا يعني ذلك أنه جزء من كيان،

بل فقط أنه اقتنع بمعنى، ورآه أقرب إلى الصواب.

لكن هذا الوضع لا يبقى كما هو.

مع انتشار الفكرة، وازدياد عدد من يلتفون حولها، تبدأ الحاجة إلى قدر من التماسك.

يظهر من يشرح الفكرة، ومن يسعى إلى ضبط معانيها، ومن يحاول توجيهها نحو مسار محدد.

ومع هذا، تبدأ الفكرة في الانتقال من حالتها الفردية إلى حالتها الجماعية.

لا يحدث هذا التحول دفعة واحدة،

بل يتسلل تدريجيًا إلى الوعي.

يبدأ الإنسان في الشعور بأنه ليس وحده،

وأن هناك من يشاركه الإيمان نفسه، والرؤية نفسها.

وهنا يحدث التحول الأول:


من أنا… إلى نحن.


قد يبدو الأمر مجرد تغيير في التعبير،

لكنه في الحقيقة انتقال في موقع الإنسان من ذاته إلى الجماعة.

فهو لم يعد يرى نفسه فقط من خلال قناعته،

بل من خلال انتمائه.

ومع ترسخ هذا الانتماء، تبدأ الجماعة في تشكيل وعي أعضائها.

تضع معايير غير مكتوبة، تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض،

وتُنشئ إطارًا عامًا للفهم، لا يخرج عنه المنتمون إلا بصعوبة.

وفي هذه المرحلة، لا يعود الاختلاف كما كان في البداية.

لم يعد مساحة طبيعية،

بل يصبح شيئًا يحتاج إلى تبرير، وربما يُنظر إليه باعتباره خروجًا عن الصف.

وهكذا، يضيق المجال الذي كان واسعًا في البداية.

ومع مرور الوقت، يتقدم صوت الجماعة على صوت الفرد.

لا لأن الفرد فقد قدرته على التفكير،

بل لأنه أصبح يرى من خلال إطار أوسع يحدد له ما ينبغي أن يراه.

ويحدث هنا تحول دقيق وخطير:

لم يعد السؤال: ما الصحيح في ذاته؟

بل أصبح: ما الذي تراه الجماعة صحيحًا؟

وهذا التحول لا يُفرض دائمًا بالقوة،

بل ينشأ من طبيعة الانتماء نفسه،

الذي يميل إلى التوافق، ويبحث عن الانسجام، ويتجنب التباين.

ومع استمرار هذا المسار، تتشكل هوية جماعية قوية.

هوية تمنح الفرد شعورًا بالأمان والانتماء،

وتمنح الجماعة قدرة على التماسك والاستمرار.

لكن هذه القوة تحمل في داخلها وجهًا آخر.

فكلما اشتدت الهوية،

ضعفت المساحة الفردية.

وكلما زاد التماسك،

تراجع التنوع.

وقد تصل الجماعة، دون أن تقصد، إلى لحظة تصبح فيها مرجعًا أعلى من الفكرة نفسها.

فتتحول من إطار يحتضن الفكرة، إلى سلطة تعيد تعريفها.

وهنا تبرز المفارقة:

الانتماء الذي بدأ بحماية الفكرة،

قد ينتهي بإعادة تشكيلها.

والجماعة التي نشأت لتجسيد معنى،

قد تصبح هي المصدر الذي يُحدِّد هذا المعنى.

ومن هنا يفرض السؤال نفسه، ليس على الجماعة وحدها، بل على كل فرد داخلها:

هل ما زلت أؤمن بالفكرة لأنها صحيحة في ذاتها،

أم لأن الجماعة التي أنتمي إليها تقول بذلك؟

وهل يبقى الانتماء وسيلة لتقوية الفكرة،

أم يتحول مع الوقت إلى إطار يعيد صياغتها ويحدد حدودها؟

إرسال تعليق

0 تعليقات