الخميائي رواية الخروج من المصفوفه
بقلم ايمان عوض 🇪🇬
السفينة آمنة على الشاطئ لكنها ليست لذلك صُنعت
تلك هي كلمات باولو كويللو التي تحملنا معها في رحلة طويلة من التأمل لتصل بنا إلى أهمية العيش في الحاضر والاستماع للحدس والسعي لتحقيق الأسطورة الشخصية والتي كانت بالنسبة لي النبراس المرشد والمؤثر في نقطة تحول فارقة في حياتي.
لم يكتب باولو كويللو تلك الرواية بالمصادفة بل كانت بعد رحلة غسلت روحه وشكلت وعيه من جديد نتج عنها هذا الإبداع المرعب الذي يجعل كل من يقرأه يصاب بلعنة الفلسفة والوعي الكوني حيث يتلقى قلبك إشارته فيترجمها ويحاول أن يرشدك به ليوصلك إلى ما وصفه الخيميائي بين طيات صفحات الرواية إلى نصيحته الازليه حينما قال
يجب أن لا تغفل إشارات قلبك لأنه يفهم ويعي لغة العالم التي لا تفهمها وحدك
بدأت رحلة باولو كويللو في كتابة روايته الساحرة عندما ذهب لإسبانيا عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين وعبر طريق سنتياغو الذي يبلغ طوله أكثر من خمسمائة ميلاً وقد كان هذا العبور نقطة التحول في حياته و قد وصف تلك الرحله في سيرته الذاتية والتي كان لها التأثير الأكبر لكتابته روايته الشهيرة الخيميائي أو ساحر الصحراء
ذلك العمل الذي غدا ظاهرة أدبية عالمية تُرجمت لأكثر من 80 لغة وبيعت منها ما يزيد عن 150 مليون نسخة
فاسم بطل القصة هو سنتياغو نفس اسم الطريق الذي عبره ليصيغ ملحمة الراعي الأندلسي الشاب الذي انطلق من سهول إسبانيا حينما كان ينام عبر رحلته لإسبانيا السنويه وهو يرعى غنمه في كنيسة مهجورة يرتاح فيها تحت شجرة، فيراوده حلم يتكرر عليه في العام التالي حينما يكرر الرحلة وفي نفس المكان الذي نام فيه في تلك الكنيسة
ومن هنا انطلق خلف حلم تكرر بمشهد كنز مدفون تحت أهرامات مصر ليجد نفسه أمام ملك عراف يدعى ملكي صادق يخبره عن مفهوم الأسطورة الشخصية ويدفعه بكلماته لترك كل ما يعرفه والبدء في المغامرة مدركاً أن الكون بأسره يتآمر لمساعدته على تحقيق ما يصبو إليه
انطلقت الرحلة بعبور سنتياغو مضيق جبل طارق ليصل إلى طنجة في المغرب وهناك صدمه الواقع حين تعرض للسرقة وفقد كل ما يملك في بداية الطريق لكنه لم يستسلم بل بدأ العمل في متجر للبلور ونجح بذكائه وإصراره في كسب المال وتطوير التجارة ومع اكتمال قدرته المادية بعد عام واحد قرر استئناف رحلته خلف الحلم لينضم إلى قافلة تعبر الصحراء الشاسعة
وهناك التقى برجل إنجليزي غارق في الكتب يبحث عن أسرار الخيمياء وبينما كانت القافلة تشق طريقها وسط ترقب حروب القبائل العنيفة وصلوا إلى واحة الأمان حيث التقى بفاطمة ووقع في سحر حبها لكنها بروحها الحرة شجعته على ألا يتوقف وأكدت له أن الحب الحقيقي لا يقيد الخطوات بل يدفع المحب لتحقيق أسطورته الشخصية
وفي تلك الواحة قابل سنتياغو الخيميائي الغامض الذي صار مرشده ومعلمه ليواصل الرحلة نحو الأهرامات فتعلم منه كيف يستمع لقلبه ويفهم لغة الكون وكيف يحول نفسه ويصل للكمال الروحي
وبلغت الرواية ذروتها حين وقع سنتياغو في أسر إحدى القبائل الصحراوية وكان الاختبار الأخير هو إثبات قدرته على الاتصال بروح العالم
وبالفعل نجح في التحول إلى رياح عاصفه بعدما تحدث مع قلبه و مع الشمس و مع الطبيعة بأسرها أمام ذهول الجميع ناجيا من الموت و ليتابع مسيرته وحيداً حتى لامست قدماه رمال اهرامات مصر العظيمة
وهناك كانت المفاجأة الكبرى حين اكتشف أن الكنز الذي قطع المسافات البعيدة لأجله كان مدفوناً تحت الشجرة في تلك الكنيسة القديمة التي بدأ منها رحلته.
إن هذه الرواية كانت بالنسبة لي شخصياً بوابة أثيرية غيرت رؤيتي وبلورت فلسفتي في أن الرغبة الصادقة تجعلنا أسياد أقدارنا مهما عظمت العقبات، لتظل رواية الخيميائي منارة تدفعنا لترك القطيع والبحث عن كنوزنا المدفونة في أعماقنا
لأن الرحلة هي الوعي الأسمى والسبيل الوحيد للاتصال بروح الكون و حينما قرأتها شعرت بأن باولو كويللو كان و هو يكتب يستمع إلى الخال احمد منيب لاغنيته الشهيره في دائرة الرحله التي غناها من بعده محمد منير
لأن حتى أثناء رحلة البحث عن ذاتك وبينما تواجه المعارك الطاحنة وتنخرط في ترسانتها
لا تستسلم لأنك إن وصلت للكنز فأنت لم تصل إلى شيء
إن الكنز هو البندول الذي ينوم به البطل مغناطيسياً ليسحبه في طريق طويل وإذا كان ذلك البطل واعياً بلغة الكون لن يستسلم وسيكمل طريقه حتى يصل
والغريب أننا عندما نبلغ مرادنا لا نشعر بتلك النشوة التي كنا نعتقد أننا سوف نشعر بها
أتدري لماذا؟
لأن الكنز الحقيقي في الرحلة ذاتها
نعم إن الكنز في الرحلة

0 تعليقات