سجنٌ بلا أسوار بقلمي منى بغدادي ديلى جراف عربية

 

سجنٌ بلا أسوار




بقلمي منى بغدادي


لم يضعني أحدٌ خلف القضبان …

أنا من حبستُ نفسي هناك .


لم يأت أحدٌ ليغلق الباب في وجهي ، ولم أسمع يوماً صوت مفتاح يدور في قفل معلن .


ومع ذلك … كنتُ مسجونة .

سجينة أشياء لا يراها أحد .


كانت كل ذكرى قديمة جداراً يرتفع حولي ، وكل وجع مررتُ به قيداً  يلتف ببطء حول روحي وكل خيبة حجراً جديداً أضعه بيدي في بناء السجن .


كنت أظن أنني أحتفظ بذكرياتي ، حتى إكتشفت في وقت ما أنها هي التي تحتفظ بي . 


كنت أعود إلى الماضي كلما حاول الحاضر أن يفتح لي نافذة ، أفتش في الوجوه القديمة ، وأعيد الحكايات التي إنتهت ، وأحاكم مواقف مضى عليها وقت طويل ، وأطرح الأسئلة نفسها التي لم تعد تملك إجابات .


لماذا حدث هذا ؟

لماذا تألمت ؟

لماذا خذلني من وثقت بهم ؟

لماذا لم أتصرف بطريقة مختلفة ؟

ولماذا كان عليّ أن أدفع كل هذا الثمن ؟


كنت أعيش في الحاضر بجسدي ، لكن جزءاً كبيراً مني كان لا يزال عالقاً هناك …

في مكان لم يعد موجوداً ،

مع أشخاصٍ تغيروا أو رحلوا ،

ومع نسخة قديمة مني لم تعد تشبهني .


وكان الغريب أنني لم أكن ألاحظ أنني أبني سجني بنفسي .


كنت أقول : " أنا هكذا بسبب ما حدث "


ثم أكتشف أن ما حدث إنتهى … لكنني كنت أسمح له أن يحدث كل يوم من جديد .


كان خوفي يسبق خطواتي .

كلما فكرت في بداية جديدة ، ذكّرني بما خسرته من قبل .

وكلما حاولت أن أثق ، همس لي : "لا تفعلي … لقد جُرحتِ من قبل "


وكلما أردت أن أفرح ، جاء صوت قديم من داخلي ليقول :

" لا تفرحي كثيراً … فالأشياء الجميلة لا تدوم "


وهكذا …

لم يعد السجن يحتاج إلى جدران .


صار صوتاً في رأسي .

صار تردداً قبل كل خطوة .

صار خوفاً من التجربة ،

وخوفاً من الخسارة ،

وخوفاً من أن أعيش مرة أخرى ثم أتألم مرة أخرى .


كنت أقف في مساحة مفتوحة ، والأبواب أمامي كثيرة ، والطرق لا تنتهي …لكنني لم أتحرك .


ليس لأن الطريق مغلق ، بل لأنني كنت أخاف مما يوجد خلفه .


كنت أراقب الآخرين وهم يعبرون ، وأتساءل كيف استطاعوا أن يبدأوا من جديد ، بينما أنا أقف في مكاني ، أحمل معي كل ما حدث وكأنه حقيبة لا يجوز لي أن أضعها أرضاً .


حتى تعبت .


تعبت من حمل أشياء لم تعد تخصني .

تعبت من معاقبة نفسي على أخطاء لم أعد أستطيع تغييرها .

تعبت من محاكمة إمرأةٍ كنتها ذات يوم ، بمعايير إمرأةٍ أصبحتها اليوم .


وعندها فهمت شيئاً لم أفهمه من قبل …


أنني كنت أطالب نفسي بالحرية ، بينما أرفض أن أترك الماضي .


كنت أريد أن أعيش ، لكنني كنت أصر على أن آخذ معي كل أسباب الألم .


كنت أنتظر أن يأتي أحدٌ لينقذني ، ولم أفهم أنني كنت أنتظر الشخص الخطأ .


فالذي بنى السجن كان أنا …

والذي ظل يحرسه كان أنا …

والذي كان يملك المفتاح أيضاً كان أنا .


لم يكن عليّ أن أكسر الجدران .


كان عليّ فقط أن أتوقف عن بنائها .


أن أتوقف عن إعادة الحكاية كل ليلة .

أن أتوقف عن معاقبة نفسي على ما لم أكن أعرفه وقتها .

أن أتوقف عن الخوف من المستقبل بسبب ماضٍ انتهى .

أن أسمح لنفسي أن أكون إنسانة جديدة ، لا نسخةً أبدية من كل ما حدث لها .


تعلمت أن بعض الأبواب لا تحتاج إلى قوة كي تُفتح ،

بل تحتاج إلى شجاعة .


شجاعة أن أقول :


إنتهى .


ليس معنى ذلك أنني نسيت ،

ولا أن الجرح لم يعد يؤلمني ،

ولا أن الماضي أصبح بلا أثر .


بل معناه أنني لم أعد أسمح للأثر أن يقود حياتي .


فأنا لا أستطيع أن أغيّر ما حدث ، لكنني أستطيع أن أقرر ماذا سيفعل بي ما حدث .


أستطيع أن أحمل التجربة كدرس … لا كسجن .


أن أحمل الندبة كدليل على أنني نجوت … لا كدليل على أنني مكسورة .


أن أنظر إلى الماضي دون أن أعود إليه ، وأن أتذكر دون أن أعيش داخله .


اليوم … حين أقف أمام نفسي ، لا أبحث عن الشخص الذي أنقذني ، ولا عن اليد التي ستأتي لتفتح الباب .


لأنني أدركت أخيراً …


أن الباب لم يكن مغلقاً أصلاً .


كنت أنا التي أخاف أن ألمسه .


وأن السلاسل التي ظننتها أقوى مني ، لم تكن من حديد .


كانت من خوف .


وأن الجدران التي حاصرتني سنوات ، لم تكن من حجر .


كانت من أفكارٍ صدقتها طويلاً .


وأن أصعب سجن يمكن أن يعيش فيه الإنسان ليس ذلك الذي تُغلق أبوابه بالمفاتيح …


بل ذلك الذي يقنعه بأنه لا يستطيع الخروج .


لذلك …


سأخرج.


ليس لأن الماضي أصبح أجمل ،

ولا لأن كل شيء أصبح بخير ،

ولا لأن الطريق القادم مضمون .


سأخرج لأنني لم أعد أريد أن أقضي بقية عمري أدفع ثمن أيامٍ إنتهت .


سأخرج لأن الحياة التي تنتظرني تستحق أن أذهب إليها خفيفة .


وسأترك خلفي كل ما لم يعد يشبهني .


فالحرية ليست باباً  يُفتح من الخارج …


الحرية قرارٌ يُتخذ من الداخل .


واليوم إتخذت قراري .


أنا السجّان …

وأنا السجين …


لكنني ، للمرة الأولى ،

أمد يدي إلى المفتاح .


وأفتح الباب.





إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. منذ أن بدأتِ الكتابة وأنا على يقين بأنني أمام قلم أدبي رصين،لافت،يستطيع أن يكون استثنائياً،مبدعاً في أفكاره وزوايا رؤاه وسلاسة طروحاته..أشد على يديك راجياً ألاّ تتوقفي عن إتحافنا بما ينسجه قلمك الجميل…فإلى الأمام/سعود الغرابي

    ردحذف