أزمة الثقافة العربية و مغازلة العقل الجمعي
لم يشغلني يومًا احتفالُ البسطاء بالموالد، ولا ما يعلقونه من أقمشة خضراء أو ما يشعلونه من شموع، فهؤلاء لا يعلمون. إنما الذي يُدهشني ويفجعني هو دفاعُ المثقفين عن تلك المظاهر، وتبريرهم لها باسم الهوية أو “التدين الشعبي”، وكأن الجهل إذا عمّ صار تراثًا مقدسًا.
الأدهى من ذلك حين يخرج مسؤول كبير ليقول إن "مصر محفوظة بقبور الأولياء" ! أيّ حراسةٍ هذه التي تُنسب إلى عظامٍ نخرة؟
لو كانت المقابر تحرس البلاد، لما انتهكت فلسطين وفيها قبور أنبياء، ولما تهدّم قبر النبي يونس في الموصل، ولا قُتل الحسين ومُثِّل بجسده في كربلاء، ولا فُجّر القبر الزينبي في دمشق.
التاريخ شاهد بأن القبور لا تحرس أحدًا، بل هي التي تحتاج مَن يكرمها ويحميها من الجهل والتسييس.
القرآن لم يجعل "الولاية" لقبًا دينيًا أو امتيازًا غيبيًا، بل جعلها وحدة في القيم والعمل بمنهج الله:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
فالأولياء ليسوا أصحاب المقامات، بل أصحاب المواقف، لا يُعرفون بقبورهم بل بآثارهم في حياة الناس وبالعمل الصالح بمنهج الله.
أما "الكرامات المزعزمة" التي تُروى وتُضخَّم، فمعظمها حكايات متخيلة صنعتها القرون لتُرضي العوام وتُطوّعهم للسلطة أو للشيخ، حتى غدت الكرامة بديلاً عن الكفاءة، والمقام بديلاً عن العمل.
إن أخطر ما يفعله هذا الخطاب الرسمي والتدين الشعبي هو أنه ينقل الوعي من الفعل الإنساني إلى الغيب، ومن الواقع إلى الأسطورة.
ومتى ألغينا دور الإنسان في صناعة قدره، تحول الدين إلى خرافة والوطن إلى مقبرة ولا عزاء..


0 تعليقات